أبي حيان الأندلسي
111
البحر المحيط في التفسير
فاحتملت ما وجهين : أحدهما : أن تكون موصولة اسم إن ، والعائد الضمير المستكن في حرم والميتة خبران . والوجه الثاني : أن تكون ما مهيئة والميتة مرفوع بحرم . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : إنما حرم ، بفتح الحاء وضم الراء مخففة جعله لازما ، والميتة وما بعدها مرفوع . ويحتمل ما الوجهين من التهيئة والوصل ، والميتة فاعل يحرم ، إن كانت ما مهيئة ، وخبر إن ، إن كانت ما موصولة . وقرأ أبو جعفر : الميتة ، بتشديد الياء في جميع القرآن ، وهو أصل للتخفيف . وقد تقدم الكلام على هذا التخفيف في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ « 1 » ، وهما لغتان جيدتان ، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء قيل : وحكى أبو معاذ عن النحويين الأولين ، أن الميت بالتخفيف : الذي فارقته الروح ، والميت بالتشديد : الذي لم يمت ، بل عاين أسباب الموت . وقد تقدم الكلام في الموت . ولما أمر تعالى بأكل الحلال في الآية السابقة ، فصل هنا أنواع الحرام ، وأسند التحريم إلى الميتة . والظاهر أن المحذوف هو الأكل ، لأن التحريم لا يتعلق بالعين ، ولأن السابق المباح هو الأكل في قوله : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ ، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . فالممنوع هنا هو الأكل ، وهكذا حذف المضاف يقدر بما يناسب . فقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ « 2 » ، المحذوف : وطء ، كأنه قيل : وطء أمهاتكم ، وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ « 3 » ، أي وطء ما وراء ذلكم . فسائر وجوه الانتفاعات محرم من هذه الأعيان المذكورة ، إما بالقياس على الأكل عند من يقول بالقياس ، وإما بدليل سمعي عند من لا يقول به . وقال بعض الناس ما معناه : أنه تعالى لما أسند التحريم إلى الميتة ، وما نسق عليها وعلقه بعينها ، كان ذلك دليلا على تأكيد حكم التحريم وتناول سائر وجوه المنافع ، فلا يخص شيء منها إلا بدليل يقتضي جواز الانتفاع به ، فاستنبط هذا القول تحريم سائر الانتفاعات من اللفظ . والأظهر ما ذكرناه من تخصص المضاف المحذوف بأنه الأكل . وظاهر لفظ الميتة يتناول العموم ، ولا يخص شيء منها إلا بدليل . قال قوم : خص هذا العموم بقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ « 4 » ، وبما روي
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 19 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 23 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 24 . ( 4 ) سورة المائدة : 5 / 96 .